محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وأعلم ما يبدون وما يكتمون ؛ وإني قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض قضاء أثبته على نفسي ، وجعلت دونه أجلا مؤجلا ، لا بد أنه واقع ، فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب ، فليخبروك متى أنفذه ، أو في أي زمان يكون ، وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون ، فليأتوا بمثل القدرة التي بها أمضيت ، فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشاءون فليؤلفوا مثل الحكمة التي أدبر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين ، فإني قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء ، وإن أحول الملك في الرعاء ، والعز في الأذلاء ، والقوة في الضعفاء ، والغنى في الفقراء ، والثروة في الأقلاء ، والمدائن في الفلوات ، والآجام في المفاوز ، والبردي في الغيطان ، والعلم في الجهلة ، والحكم في الأميين ، فسلهم متى هذا ، ومن القائم بهذا ، وعلى يد من أسنه ، ومن أعوان هذه الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون ؛ فإني باعث لذلك نبيا أميا ، ليس أعمى من عميان ، ولا ضالا من ضالين ، وليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل جميل ، أهب له كل خلق كريم ، أجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والعرف خلقه ؛ والعدل والمعروف سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأشهر به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العيلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به قلوبا مختلفة ، وأهواء متشتتة ، وأما متفرقة ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، توحيدا لي ، وإيمانا وإخلاصا بي ، يصلون لي قياما وقعودا ، وركوعا وسجودا ، يقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا ، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني ، ألهمهم التكبير والتوحيد ، والتسبيح والحمد والمدحة ، والتمجيد لي في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم ، يكبرون ويهللون ، ويقدسون على رؤوس الأسواق ، ويطهرون لي الوجوه والأطراف ، ويعقدون الثياب في الأنصاف ، قربانهم دماؤهم ، وأناجيلهم صدورهم ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار ، ذلك فضلي أوتيه من أشاء ، وأنا ذو الفضل العظيم . فلما فرغ نبيهم شعياء إليهم من مقالته ، عدوا عليه فيما بلغني ليقتلوه ، فهرب منهم ، فلقيته شجرة ، فانفلقت فدخل فيها ، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها ، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها ، وقطعوه في وسطها . قال أبو جعفر : فعلى القول الذي ذكرنا عن ابن عباس من رواية السدي ، وقول ابن زيد ، كان إفساد بني إسرائيل في الأرض المرة الأولى قتلهم زكريا نبي الله صلى الله عليه وسلم ، مع ما كان سلف منهم قبل ذلك وبعده ، إلى أن بعث الله عليهم من أحل على يده بهم نقمته من معاصي الله ، وعتوهم على ربهم . وأما على قول ابن إسحاق الذي روينا عنه ، فكان إفسادهم المرة الأولى ما وصف من قتلهم شعياء بن أمصيا نبي الله صلى الله عليه وسلم . وذكر ابن إسحاق أن بعض أهل العلم أخبره . أن زكريا مات موتا ولم يقتل ، وأن المقتول إنما هو شعياء ، وإن بختنصر هو الذي سلط على بني إسرائيل في المرة الأولى بعد قتلهم شعياء . حدثنا بذلك ابن حميد ، عن سلمة عنه ابن إسحاق . وأما إفسادهم في الأرض المرة الآخرة ، فلا اختلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا . وقد اختلفوا في الذي سلطه الله عليهم منتقما به منهم عند ذلك ، وأنا ذاكر اختلافهم في ذلك إن شاء الله . وأما قوله : وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فقد ذكرنا قول من قال : يعني به : استكبارهم على الله بالجراءة عليه ، وخلافهم أمره . وكان مجاهد يقول في ذلك ما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، فال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً قال : ولتعلن الناس